الشيخ محمد الصادقي الطهراني
69
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » . فكما أن المماثلة في أصل البشرية في سائر البشر لا تقتضي المساواة في العلم والعقل من الأمور المعنوية ، بل ولا في الجمال والمال والأولاد وسائر الميّزات الظاهرة من غير المعنوية ، كذلك - وبأحرى - بالنسبة لخارقة معنوية كالوحي والرسالة . ولئن رجعوا قائلين ان هذه الميزات من حصائل المساعي على قدر سعي الساعي ، ولكنما الوحي ليس يحصل بالسعي ، فالجواب « وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » . فكما بالإمكان الواقع تفاضل البشر - على مماثلتهم - في بعض الفواضل والفضائل بما يعملون « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » كذلك الإمكان في التفاضل بما قد يأملون على ضوء ما يعملون ، قضية الضرورة القاطعة من هدى اللَّه ، دون فوضى جزاف فيمن يهدي به اللَّه وحيا « وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » أم ودون عمل كما في الجمال وأمثاله . فهل من صاد يصد عن رحمة اللَّه ومنّه على من يشاء من عباده ليشملهم كلهم برحمته ؟ وكل الرحمات هي من اللَّه لا سواه « أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا » ( 43 : 32 ) . فإذ يمن اللَّه على بعض في بعض النعم بما سعى ، فمنه على بعض ومنّه على العالمين أولى وأحرى ، منة ضخمة لا على اشخاص الرسل وحدهم ، ولكن على البشرية التي تشرف بانتخاب افراد منها لهذه المهنة العظمى ، تلقيا بالقلب من الملاء الأعلى ، وإلقاء على سائر المكلفين بكل سلطان مبين ، رسالة واحدة هي ضرورية لهدى الحائرين الضالين ، فسلبها كليا سلب لرحمة كتبها اللَّه على نفسه ، وإيجابها لكل أحد هدر للوحي حين يلقى إلى قلوب مقلوبة ، وتسوية ظالمة بينها وبين قلوب طاهرة ، وتسيير لغير الصالحين إلى صلاح الوحي وصالحه ، وسلب للامتحان ، فليختص بمن صنع نفسه مؤمنا كأعلى القمم الممكنة ، ثم يصنعه اللَّه كما هيأه من ذي قبل ، صناعة مثلثة الزوايا ، والأخيرة منها هي رأسها حيث يسده اللَّه تعالى عن كل خطأ ، ولكنها ليست فوضى جزاف ، وانما بما سعى وقدر ما سعى ، وان كان اللَّه